المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الاستبداد والعلم والصراع الدائم بينهم


ضيعتني العاطفه
04-27-2018, 12:40 AM
المستبدُّ يتحكّم في شؤون الناسِ بإرادته لا بإرادتهم ، ويحكمهم بهواه لا بشريعتهم ، ويعلم من نفسه أنه الغاصب المتعدِّي فيضع كعب رجلِهِ على أفواه الملايين يسدُّها عن النطق بالحق والتداعي لمطالبتِهِ .



المستبدُّ عدوُّ الحق عدوُّ الحريَّة وقاتلُهما ، والحقُّ أبو البشر والحرية أمُّهم ، والعوام صبيةٌ أيتامٌ نيامٌ لا يعلمون شيئاً ، والعلماء هم إخوتهم الراشدون ، إن أيقظوهم هَبُّوا ، وإنْ دعوهم لبَّوا ، وإلا فيتصل نومُهًم بالموت .


المستبدُّ يتجاوزُّ الحدَّ مالم يرَ حاجزاً من حديد ، فلو رأى الظالمُ على جنبِ المظلوم سيفاً لما أقدم على الظلم كما يقال : الاستعداد للحرب يمنع الحربَ .


المستبدُّ إنسانٌ مستعدٌّ بالطبع للشر ، وبالإلجاء للخير ، فعلى الرعيةِ أنْ تعرفَ ما الخيرُ وما الشرُّ ، فتلجئ الظالمَ للخير على الرغمِ من طبعه ، وقد يكفي للإلجاء الطلب وحدّه إذا علم الظالمُ أنّ وراء القولِ فعلاً ، ومن المعلوم أنَ الاستعداد للفعل فعلٌ يكفي شرَّ الاستبداد .


شرح:


يصور الكواكبي في نصّه طبيعة المستبدّ الشريرة ، فهو يتخذ من هواه قانوناً ، ويحكم الناس حسب مشيئته ، ويسوسهم بأهوائه ، وهو مدرك أنّه معتد أثيم فيسترسل في ظلمه ، يكم الأفواه ، ويحول بينها وبين قول الحقّ.


ـ والمستبدّ يحارب الحرية والعدل لأنهما أصل حياة الشعوب ومنطلقِها ، والناس بسطاء غافلون لا يدركون من أمرهم شيئاً ، أمّا العلماء فهم الرجال الناصحون لهم فإذا نبهوهم ثاروا على واقعهم وإلا قضي عليهم .


ـ الظالم يتمادى في بطشه ما لم يجد قوة من الشعب تقف في وجهه فإذا رأى المستبد سلاحاً يحمله الشعب ما فكرّ في بطشه وطغيانه ، كما هو معروف أنَ الاستعداد للحرب يمنع الحرب .


ـ المستبدّ مخلوق شرير بطبعه ولا يفعل الخيرَ إلا مجبراً فعلى الشعب أن يفصِل بين حدود الخير والشرّ ، ويرغمَ الظالمَ على فعل الخير على الرغم من طبيعته الشريرة ، ويجب أن يكون الطلب مدعوماً بالقوة .








المقطع الثاني :


الاستبداد أصلٌ لكلِّ فساد ، ومعنى ذلك أنَ الباحثَ المدقّق في أحوال البشر وطبائع الاجتّماع كشف أَنّ للاستبدادِ أثراً سيئاً في كلِّ وادٍ ، فالمستبدُّ يضغطُ على العقلِ فيفسده ، ويلعب بالدين فيفسده ، ويحارب العلمَ فيفسده .


عبد الرحمن الكواكبي